دروب الجبال تعيد اكتشاف لبنان المجهول
Friday, 12-Jun-2026 07:49

في وقت تتّجه فيه الأنظار مع حلول فصل الصيف نحو الشواطئ والمنتجعات الساحلية، يبرز نوع مختلف من السياحة، يسجّل حضوراً متزايداً عاماً بعد عام في لبنان، وهو سياحة المشي الجبلي أو الـ Hiking. فبين القمم الشاهقة والغابات الكثيفة والوديان العميقة والقرى الريفية المتناثرة على سفوح الجبال، يجد اللبنانيّون والزوّار فرصة لاكتشاف وجه آخر للبلاد، بعيداً من الازدحام والضجيج والصورة التقليدية المرتبطة بالمدن والساحل.

أهم مسارات المشي الطويل في الشرق الأوسط

ويُعدّ «درب لبنان الجبلي» من أبرز المشاريع التي ساهمت في ترسيخ ثقافة المشي الجبلي خلال العقدين الماضيين. فهذا المسار الممتد لنحو 470 كيلومتراً يربط شمال لبنان بجنوبه، عابراً أكثر من 75 بلدة وقرية ومجموعة واسعة من المحميات الطبيعية والمواقع التراثية، ما يجعله من أهم مسارات المشي الطويل في منطقة الشرق الأوسط. كما يمرّ الدرب عبر مناطق متنوِّعة بيئياً وثقافياً، من غابات عكار الكثيفة إلى مرتفعات الشوف وأحراج الأرز ووادي قاديشا، وصولاً إلى القرى الجنوبية، مقدّماً تجربة فريدة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والتراث المحلي.

 

فرصة استثنائية

ولا تقتصر أهمّية هذه الدروب على الجانب الرياضي أو الترفيهي فحسب، بل تمنح المشاركين فرصة استثنائية للتعرُّف على التنوُّع الجغرافي والثقافي اللبناني. ففي رحلة واحدة قد ينتقل المتنزِّه من غابة أرز عمرها مئات السنين إلى وادٍ صخري يضمّ أديرة تاريخية، ثم إلى قرية جبلية ما زالت تحافظ على نمط حياتها التقليدي. وتتبدَّل خلال هذه الرحلة المشاهد الطبيعية واللهجات والعادات الاجتماعية وحتى المأكولات المحلية، ما يحوِّل المشي إلى تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز مجرّد ممارسة نشاط رياضي.

 

بين الترفيه والكلفة المقبولة

من أبرز العوامل التي ساهمت في انتشار هذا النوع من السياحة، انخفاض كلفته مقارنةً بأشكال السفر الأخرى. فالمشارك لا يحتاج إلى حجوزات فندقية مرتفعة الثمن أو برامج سياحية مكلفة، بل تكفيه معدات أساسية تشمل حذاء مناسباً للمشي وحقيبة ظهر وبعض المستلزمات الضرورية. كما أنّ العديد من المسارات يمكن إنجازها خلال يوم واحد فقط، ما يجعلها خياراً متاحاً لفئات واسعة من اللبنانيّين، ولا سيما الشباب والعائلات والطلاب الذين يبحثون عن نشاط يجمع بين الترفيه والكلفة المقبولة.

 

أثر وسائل التواصل الاجتماعي

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واضح في تعزيز شعبية هذه النشاطات. فخلال السنوات الأخيرة امتلأت المنصات الرقمية بصور ومقاطع فيديو توثق رحلات المشي بين الغابات والشلالات والمرتفعات الجبلية، ما دفع الكثيرين إلى استكشاف أماكن لم يكونوا يعرفونها سابقاً. وأصبحت مناطق مثل أرز بشري ووادي قنوبين وتنّورين والعاقورة وأرز الشوف وجبل موسى ووادي جهنم من أبرز الوجهات التي يقصدها عشاق الطبيعة والتصوير الفوتوغرافي. كما انتشرت مجموعات متخصِّصة عبر الإنترنت لتبادل الخبرات والمعلومات حول المسارات ومستويات الصعوبة ومتطلّبات السلامة، الأمر الذي سهّل دخول أعداد متزايدة من المشاركين الجدد إلى هذا المجال.

 

وتُظهر التجارب الفردية التي يشاركها هواة المشي من لبنان وخارجه، أنّ جاذبية هذه الدروب لا تكمن في مناظرها الطبيعية فقط، بل أيضاً في قدرتها على تعريف الزوار بالحياة الريفية اللبنانية. فكثير من الرحلات تتضمّن التوقف في بيوت ضيافة صغيرة أو تناول الطعام لدى عائلات محلية أو شراء منتجات تقليدية من القرى التي تمرّ فيها المسارات، ما يخلق تفاعلاً مباشراً بين الزائر والمجتمع المحلي ويمنح الرحلة طابعاً إنسانياً مميزاً.

 

الحفاظ على هذه المناطق

ولعلّ الأثر الأبرز لهذه السياحة يظهر في القرى الجبلية نفسها. فالمسارات التي تمرّ عبر البلدات الريفية تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، من خلال دعم بيوت الضيافة والمطاعم الصغيرة والأدّلاء السياحيّين ومحال المنتجات الزراعية والحرفية. وفي ظل التحدّيات الاقتصادية التي تواجهها مناطق عديدة خارج المدن الكبرى، باتت سياحة المشي تشكّل مورداً إضافياً يساعد العائلات في تحسين دخلها والاستفادة من المقوِّمات الطبيعية والتراثية الموجودة في محيطها. كما أنّ هذا النوع من النشاطات يشجّع السكان على المحافظة على المساحات الطبيعية والمسارات التاريخية والاستثمار فيها بصورة مستدامة.

 

في موازاة التوجُّه العالمي

وفي موازاة المنافع الاقتصادية، تكتسب هذه السياحة أهمّية بيئية متزايدة. فالتوجُّه العالمي نحو السياحة البيئية والسفر المسؤول، جعل من المناطق الطبيعية اللبنانية نقطة جذب للباحثين عن تجارب أصيلة بعيدة من السياحة التقليدية. وتتميّز الجبال اللبنانية بتنوع بيولوجي لافت يشمل غابات الأرز والصنوبر والعرعر، بالإضافة إلى محميات طبيعية ومناطق مصنّفة ذات أهمية بيئية عالمية، ما يمنح لبنان فرصة حقيقية لتعزيز موقعه على خريطة السياحة البيئية في المنطقة.

 

في النهاية، قد تكون أجمل طريقة لاكتشاف لبنان ليست عبر الطرقات السريعة أو المنتجعات، بل عبر درب جبلي ضيِّق يتسلّل بين أشجار الأرز أو يمرّ بمحاذاة وادٍ سحيق أو قرية حجرية قديمة. هناك، بعيداً من ضجيج المدن وصخب الحياة اليومية، يكتشف الزائر أنّ لبنان الحقيقي لا يزال مختبئاً في جباله، محتفظاً بجماله الطبيعي وتراثه الإنساني، وينتظر مَن يسير إليه خطوة بعد أخرى.

الأكثر قراءة